أحدث المواضيع

3/recent/post-list

آمال العالم ما بعد كورونا

كيف يتأثر المجتمع، الاقتصاد، التعليم وحتى السياسة بالحجر الصحي ؟ وما الذي سيبقى بعد وباء الفيروس التاجي في مختلف مجالات حياة الإنسان؟ هذا موجز لدراسة و آراء بعض خبراء وعلماء العالم. 

لا يزال العالم في قبضة وباء الفيروس الذي أثر على كل بلد تقريبا. ولكن هناك الآن لقاحات فعالة يمكن أن تضع حدا لهذا المشكل. يمكننا القول، ان هناك ضوءاً بالفعل في نهاية النفق. ولكن كيف سيبدو العالم بعد العودة من الوباء؟ هل سيكون نقطة تحول أم أنه مجرد ضربة عابرة للتنمية؟ 
قبل كل شيء، سيظل هناك شعور بالضعف الفردي والنظامي والرؤية المستقبلية لتطوير الجانب الصحي، إن مرض الفيروس التاجي هو أكبر أزمة صحية واقتصادية واجتماعية يشهدها العالم منذ الحرب العالمية الثانية. وسيستمر هذا الشعور بعد الجائحة. لقد بدأ اختفاء الأمن النسبي للصحة الذي عاش فيه كثير من الناس بعد نهاية الحرب بشكل لا رجعة فيه. وتغيرت النظرة تجاه الحياة على المدى الطويل، حيث سينصب التركيز الآن على الضمان الصحي الفردي والاجتماعي. وسيزداد الاستثمار في الرعاية الصحية وستنتهي المناقشة بشأن توفير حصة كبيرة لتكاليف الصحة. وستتخذ السلطات العامة تدابير إضافية لتجنب نقص معدات الحماية خلال الجائحة المقبلة.

علاقات اجتماعية جديدة :

ومن المرقب أن تؤدي أزمة الوباء إلى أشكال جديدة من التفاعل الاجتماعي. خلال الأزمة، كانت هناك توترات غريبة بين الناس. وقد تأثر الجميع بالفيروس وعواقبه الاجتماعية والاقتصادية، ولكن بدرجات مختلفة. في البداية، بدت آثار التضامن ظاهرة في كل أوساط المجتمع وكذا التحلي بالمسؤولية تجاه الآخر. وقد وجد البعض من الذين لم يكونوا ظاهرين الاعتراف أخيرا من خلال عملهم الاجتماعي، مثل العاملين في مجال الرعاية الصحية أو تجارة الأغذية و حتى العاملين في مجال التسليم.
من ناحية أخرى، يتم اعتبار الناقلين المحتملين للفيروس تهديدا، وهذا قد يؤدي إلى الفردية والمسافة بين أفراد المجتمع (الحد من المصافحة و الإلتقاء) ، فضلا عن زيادة العزلة خاصة لدى الأشخاص غير المستقرين عقليا، ولا سيما أصحاب اضطرابات القلق والاكتئاب الشديد، وذلك بالنسبة لجميع الطبقات الاجتماعية وجميع الفئات العمرية، فقد تم توثيق ذلك بالفعل في المستشفيات والمرافق الصحية الخاصة.
وبطبيعة الحال، لا يمكن في الوقت الحاضر تقييم ما سيبقى من التضامن الجديد و"النظرة العالمية لوباء كورونا" وما الذي سيتم إخماده مستقبلا. ومع ذلك، يؤكد العديد من الخبراء في مختلف المجالات توحيد الجهود البشرية. ويمكن أن يكون التغلب على الأزمة الحالية نوعا من الممارسات القيمة لمعرفة كيفية التعامل مع أزمات أكثر خطورة، بما في ذلك الأزمة الإيكولوجية الناجمة عن تغير المناخ. وهناك أيضا توافق واسع في الآراء على أنه لن تكون هناك عودة إلى الوراء. بل إن الأزمة الحالية ستكون فرصة للتفكير في العمليات الأساسية وإعادة النظر في قيم معينة. وينبغي أن تؤدي الصحوة الأخلاقية، في عموم مناحي حياتنا على هذا الكوكب، إلى سياسات بيئية ومناخية واقتصادية واجتماعية مستدامة، لتعزيز التوجه نحو الصالح العام.

التحفيز عن طريق الاتصال الرقمي :

رغم استحالة وضع تنبؤات دقيقة للعالم ما بعد الأزمة، إلا أن العديد من الاتجاهات نحو النمو يمكن تحديدها بوضوح. وواحد من هذه الاتجاهات هو الرقمنة، فالاتجاه نحو الاتصالات الرقمية يتزايد كل عام، و الآن تعمل الأزمة كعامل تحفيز لتطور أسرع. وقد أجبر الوباء السلطات والشركات والجامعات على تجربة أشكال رقمية جديدة. وسيتم الاحتفاظ بالتغييرات إذا نجح التنفيذ. فمن بين هذه الأشكال نجد التعليم عن بعد والتدريب على الإنترنت والذي أصبح يستخدم الآن بشكل أكثر كثافة، ويرجع ذلك جزئيا إلى توفير المال والوقت وتجعل أرباب العمل أكثر جاذبية من خلال تقديم عروض مناسبة للجانبين.
وينطبق الشيء نفسه بالتأثير على سوق العقارات، فلن يهتم الموظفون بعد الآن بموقع سكنهم أي أن يسكنوا بالقرب من مكان عملهم في المناطق الحضرية، و سيتطلب الأمر مساحة مكتبية أقل. كما أن الاتجاه نحو "العمل عن بعد" أو العمل في المنزل سيعزز أيضا من عمل المرأة، حيث ستتوفر لديها خيارات عمل جديدة والمزيد من الفرص للجمع بين العمل والأسرة. ولا شك أن المرأة ستستفيد من هذا التغيير الرقمي لأنها عانت من قيود الحياة الاجتماعية في السابق، فقد كان يتعين عليها رعاية أطفالها أكثر.

التغير الجديد في الاقتصاد وسوق العمل

إن من المتوقع أن تحدث تعديلات كبيرة في سوق العمل، ليس فقط لأن بعض القطاعات، مثل التنقل واستضافة الأطر، سوف تتم إعادة هيكلتها، ولكن أيضا لأنه من الصعب الانتقال من المدرسة إلى التدريب أو الجامعة ومن مكان إلى آخر في سوق العمل. وخلال الأزمة، انخفض عدد أماكن التعلم ووظفت المؤسسات عددا أقل من الأطر. ولذلك هناك خطر ظهور جيل ناقص والذي حتى بعد مرور الأزمة، سوف يشعر بعدة عيوب في سيرته الذاتية التعليمية والمهنية. وقد يواجه تلاميذ المدارس، لاسيما أولئك الذين يدرسون في بلدان أخرى، تهديدا مماثلا إذا ما أغلقت المدارس أبوابها مرة أخرى لفترة طويلة من الزمن. ففي نهاية المطاف، كشف الوباء عن العديد من نقاط الضعف في المهارات الرقمية والتدريسية للمعلمين.
وقد تسبب الحجر الصحي في صدمة كبيرة للمصنعين، مما أثر على العرض والطلب على حد سواء. فقد أصبح الإنتاج أكثر تكلفة، ويرجع ذلك إلى إدخال تدابير النظافة والتعقيم. وفي الوقت نفسه، انخفض الطلب لأن معظم السكان لا يريدون الاستهلاك في أوقات الأزمات و هناك من فقد مدخوله بسبب الحجر الصحي. وكانت العواقب المترتبة على ذلك حالات الإفلاس وفقدان الوظائف وما الى ذلك، وهي الآثار الجانبية الأكثر شيوعا للأزمة الاقتصادية، ونحن الآن نترقب ما إذا كان التعافي سوف يكون سريعا أم لا. 
يمكن لمختلف مساعدات الدولة، مهما كانت جيدة، أن تؤخر التغييرات الهيكلية الوشيكة لتبقي الشركات غير التنافسية على قيد الحياة. لكن هذه المعونة ليست دائما تساعد على إنقاذ هذه الشركات من تخطي هذه المحنة، ولن تتمكن من النجاة من الأزمة وعليها أن تبني هياكل جديدة.
إن الأموال الإضافية الضخمة سوف تشكل عبئا ثقيلا على الدولة. فعلى سبيل المثال إذا فقدت الأسواق الثقة في البلدان الأوروبية الكبرى، ، فإن هذا قد يؤدي إلى أزمة ديون سيادية ذات عواقب وخيمة. ويمكن للخطة المالية التي وافق عليها الاتحاد الأوروبي للفترة 2021-2025، والتي تبلغ قيمتها 1100 مليار يورو، وصندوق كورونا الخاص البالغ 700 مليار يورو، بما في ذلك 400 مليار يورو من الإعانات، أن تكون مطمئنة على المدى القصير فقط. وفي الوقت نفسه، ينطوي على خطر ضبط الديون بشكل لا رجعة فيه، مع ما يترتب على ذلك من عواقب سلبية على المدى الطويل.

العامل الجيوسياسي للوباء

كما أن لفيروس كورونا تداعيات على النظام العالمي، فقد أدت تصرفات الإدارة الأمريكية إلى هزيمة ترامب الانتخابية. وهذا أعطى الأمل في أن الولايات المتحدة للعب مرة أخرى دورا قياديا على المستوى الدولي. هذه الإجراءات الأمريكية أدت أيضا إلى تغيير الصين سياستها المستقلة. فقد استغل القادة الصينيون حقيقة أن العديد من الدول تركز على شؤونها الداخلية وتلعب الآن لعبة المواجهة مع الولايات المتحدة في عدد من المناطق. بشكل عام ، أدى الوباء إلى فشل الحكومات الديمقراطية و تقوية نظيراتها الاستبدادية. وفي الوقت نفسه ، أدى إلى ظهور متزامن لـمتشددي كورونا، مع زيادة عدد المنشورات الإعلامية التي تعطي صوتًا لعدد قليل من مؤيدي نظريات المؤامرة. في حين أنه لا يوجد إثبات لهذه النظريات، إلا أنها تستخدم بنفس نشاط نظريات المؤامرة في الماضي.

انتصار العلم على الأزمة

من الواضح أن الوباء قد ساعد في زيادة الوعي بأهمية البحث العلمي للمجتمع. ولكن في الوقت نفسه ، بدا أنه لا يزال من الممكن تحسين جودة الاتصال بين العلم والسياسة والإعلام. و تبين انه من الممكن للجهات العليا إدراك العمل بشكل حاسم على أساس المعرفة العلمية ، وتوفير معلومات شفافة، تساعد الدولة في التغلب على الأزمة بشكل أفضل. و الدليل على ذلك إنتاج لقاح ضد فيروس كورونا بمساعدة العلم، وسيهزم العلم الأزمة. هذه هي الرسالة الرئيسية التي ستبقى كذكرى لنا حتى بعد الجائحة بأعوام. ويمكن أن تساعدنا في حل العديد من المشاكل الكبيرة التي لازالت تنتظرنا.

الكاتب: محمد أمين فارس

ليست هناك تعليقات: